شهدت عاصمة جنوب السودان، جوبا، احتفالاً حاشداً لأبناء سلطنة دارفور، في مشهد عكس عمق الروابط التاريخية والاجتماعية بين دارفور وجنوب السودان، ورسّخ حضور السلطنة كجسر للتواصل الأهلي ودبلوماسية الشعوب، وسط مشاركة واسعة من أبناء دارفور واللاجئين السودانيين والقيادات الأهلية والضيوف من دولة جنوب السودان.
شهدت العاصمة جوبا، بدولة جنوب السودان، يوم 30 مايو 2026، احتفالاً ثقافياً وتراثياً كبيراً لأبناء سلطنة دارفور وأمة الفور، بمناسبة عيد الأضحى المبارك واليوم العالمي للغة الأم، وذلك بميدان الباسكت بول، برعاية كريمة من فخامة السلطان أحمد علي دينار، سلطان عموم دارفور، وبدعوة كريمة وإشراف مباشر من السلطان آدم أحمد سليمان “آدم فور”، سلطان سلطنة دارفور بدولة جنوب السودان – جوبا.

وجاء الاحتفال وسط مشاركة واسعة من أبناء دارفور واللاجئين السودانيين بدولة جنوب السودان، إلى جانب عدد كبير من قيادات المجتمع والمسؤولين والضيوف، وبحضور لافت للفنانين والفنانات، على رأسهم الفنانة مريم عبد الله، في مشهد احتفالي عبر عن حيوية التراث الدارفوري، وعمق الارتباط بالهوية واللغة والثقافة، رغم ظروف الحرب واللجوء والنزوح.

وأكدت الفعالية أن سلطنة دارفور لا تزال حاضرة في وجدان أبنائها بوصفها رمزاً تاريخياً واجتماعياً جامعاً، ورافعة من روافع السلم الأهلي والتماسك المجتمعي، حيث تحولت جوبا في ذلك اليوم إلى فضاء ثقافي واجتماعي يعكس عمق الروابط التاريخية والإنسانية بين دارفور وجنوب السودان، ويجسد امتداد العلاقات الأزلية بين الأشقاء.

وتوافد إلى الاحتفال أبناء دارفور من داخل جنوب السودان ومن دول الجوار، إلى جانب اللاجئين السودانيين من مختلف الولايات، الذين شاركوا في أجواء من الفرح والاعتزاز، وقدموا صورة معبرة عن وحدة الوجدان السوداني وتماسك الروابط الاجتماعية، رغم ما فرضته الحرب من تشريد ومعاناة وتحديات إنسانية قاسية.

وخاطب فخامة السلطان أحمد علي دينار، سلطان عموم دارفور، الحضور بكلمات حملت دلالات عميقة ورسائل جامعة، شدّد فيها على أهمية صون إرث السلطنة وترسيخ قيم الوحدة والتعايش والسلام، وربط حاضر دارفور بتاريخها العريق، والعمل المشترك لحماية النسيج الاجتماعي ومساندة المجتمعات المتأثرة بالحرب وتداعيات النزوح واللجوء.

ووجّه السلطان أحمد علي دينار التحية إلى القائد عبد الواحد محمد نور، قائد ومؤسس حركة/جيش تحرير السودان، وإلى القائد عبد الله حران، كما خصّ بتحية تقدير السلطان آدم أحمد سليمان “آدم فور”، سلطان سلطنة دارفور بدولة جنوب السودان الشقيقة، مشيداً بدوره بوصفه وجهاً مشرقاً لإنسان دارفور في المحافل الإقليمية والدولية، ورمزاً للحكمة والتواصل المجتمعي في دول الجوار.

وأشار السلطان أحمد إلى أن لغة الفور ارتبطت بتاريخ طويل من الحواضر التي ازدهرت في منطقة جبل مرة، مؤكداً ضرورة تطويرها وتوثيقها وفق منهج علمي حديث، وبالتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث والخبراء المختصين، حتى تأخذ مكانتها المستحقة بين لغات العالم، باعتبارها جزءاً أصيلاً من الذاكرة الثقافية والحضارية لدارفور.

وجدد السلطان أحمد علي دينار دعوته إلى المبادرة التي أطلقها في متحف السلطان علي دينار بالفاشر قبل اندلاع الحرب، والرامية إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يستند إلى قيم اجتماعية أصيلة ومتجددة، من أجل وقف الحرب في السودان وإنهاء معاناة المدنيين الذين يعيشون أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة جراء النزوح واللجوء.

وشدّد السلطان على أهمية ترسيخ قيم العدالة والمساواة والتعايش السلمي، ونبذ خطاب الكراهية والاستعلاء العرقي والعنصرية، مؤكداً أن وحدة مجتمعات دارفور وتمسكها بثقافاتها وتراثها يمثلان أساساً لحماية النسيج الاجتماعي، وأن الثقافة واللغة تظلان من أهم أدوات بناء السلام وتعزيز التفاهم بين الشعوب.

كما برز خلال الاحتفال الدور المحوري للسلطان آدم أحمد سليمان “آدم فور”، سلطان دارفور بدولة جنوب السودان، في جمع أبناء دارفور وتنظيم صفوفهم وتعزيز حضورهم المجتمعي والثقافي، إلى جانب السلاطين والقيادات الأهلية وممثلي المجتمعات الدارفورية والسودانية، الذين شكلوا سنداً اجتماعياً مهماً لأبناء دارفور في ظروف اللجوء والنزوح.

وإقامة هذا الاحتفال في جوبا تمثل علامة فارقة في دبلوماسية الشعوب، ورسالة رمزية بأن دارفور، رغم جراح الحرب، قادرة على تجديد حضورها التاريخي والثقافي عبر أبنائها وقياداتها، وأن روابطها مع جنوب السودان تظل امتداداً لعلاقات الجوار والمصير المشترك والتاريخ الإنساني المتداخل.

واختتم الاحتفال وسط أجواء من الفرح والاعتزاز بالتراث واللغة والهوية، حيث عبّر المشاركون عن تمسكهم بإرث سلطنة دارفور، وبقيم الوحدة والتعايش والسلام، مؤكدين أن إحياء التراث ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل فعل مقاومة للاندثار، وتجديد للذاكرة، وتأكيد على أن دارفور قادرة على النهوض من ركام الحرب بروح أبنائها وعمق تاريخها.
