قال السلطان أحمد علي دينار، سلطان سلطنة دارفور، إن السودان يقف في واحدة من أخطر لحظاته التاريخية، بعدما تحولت الحرب من صراع عسكري إلى أزمة دولة شاملة تهدد المجتمع ومؤسساته ومستقبله، مؤكداً أن لا منتصر في هذه الحرب، وأن السلام الحقيقي يبدأ من الإنسان والمجتمعات المتأثرة، لا من الحسابات الضيقة أو المكاتب المغلقة.
أكد السلطان أحمد علي دينار، سلطان سلطنة دارفور، أن المشهد السوداني الراهن لم يعد مجرد صراع عسكري بين أطراف متنازعة، بل تحول إلى أزمة دولة شاملة تجاوزت حدود المواجهة المسلحة، وطالت البنية الاجتماعية والاقتصادية والخدمية، وهددت النسيج الوطني ووحدة المجتمع السوداني.
وقال السلطان أحمد علي دينار، خلال لقاء حواري في بودكاست «من الذاكرة»، إن السودان يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية في تاريخه الحديث، مشدداً على أنه «لا غالب في هذه الحرب»، ولا يمكن لأي طرف أن يعد نفسه منتصراً في ظل معاناة المدنيين وتفاقم الأوضاع الإنسانية في مختلف أنحاء البلاد.
وأضاف أن استمرار الحرب يضع السودان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما فتح نافذة حقيقية لإنهاء النزاع عبر تسوية سياسية شاملة وعادلة تؤسس لدولة مستقرة، أو الانزلاق نحو مزيد من التفكك والانهيار. ودعا جميع القوى الوطنية إلى تغليب صوت العقل والحكمة، واختيار طريق السلام والحوار حفاظاً على مستقبل البلاد ووحدتها.
وحذر سلطان دارفور من استمرار حالة الإنكار لحجم الكارثة التي خلفتها الحرب، ومن تغليب المصالح الضيقة والحسابات الآنية على المصلحة الوطنية العليا، مؤكداً أن إطالة أمد الصراع ستعمق الانقسام، وتضاعف معاناة المواطنين، وتهدد أسس الدولة ووحدة المجتمع.
وأشار إلى أن الخوف الأكبر يتمثل في الوصول إلى «نقطة اللاعودة»، حيث يصبح ترميم النسيج الاجتماعي وإعادة بناء مؤسسات الدولة أكثر صعوبة وتعقيداً، مؤكداً أن مستقبل السودان يظل مرهوناً بقدرة السودانيين على التعامل مع هذه اللحظة التاريخية بالحكمة والشجاعة والإرادة الوطنية الصادقة.
وفي حديثه عن الأثر الإنساني للحرب، قال السلطان أحمد علي دينار إن أكثر المشاهد إيلاماً هي مشاهد الأطفال النازحين الذين فقدوا براءتهم وأحلامهم تحت وطأة النزاع والمعاناة، مشدداً على أن حماية الأطفال ورعايتهم يجب أن تكون في مقدمة الأولويات الوطنية والإنسانية، لأنهم يمثلون مستقبل السودان وأمله القادم.
ووجه رسالة إلى أمهات السودان اللاتي فقدن أبناءهن بسبب الحرب، مؤكداً أن ألمهن هو ألم وطن بأكمله، وأن تضحيات أبنائهن يجب ألا تذهب سدى، بل ينبغي أن تتحول إلى دافع حقيقي لإنهاء الحرب وبناء سلام يحفظ كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمان.
وأكد السلطان أن مبادرات السلام التي أطلقها جاءت بدافع إنساني ووطني، واستجابة لحجم المعاناة التي يعيشها ملايين السودانيين، موضحاً أنها لا تمثل بديلاً للعمل السياسي، لكنها تعبر عن حاجة مجتمعية ملحة لنقل صوت المتضررين وتطلعاتهم إلى الأمن والاستقرار.
وأوضح أن المبادرة تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية، هي: الشمول وعدم الإقصاء، وأولوية وقف النزيف الإنساني وحماية المدنيين، وبناء مسار حوار تدريجي ينطلق من القواعد المجتمعية. وشدد على أن السلام الحقيقي لا يفرض من أعلى أو من المكاتب المغلقة، بل ينبع من داخل المجتمعات المتأثرة بالحرب.
ودعا سلطان دارفور إلى إشراك الإدارات الأهلية والشباب والنساء وممثلي النازحين والمتضررين في أي مسار للسلام، باعتبارهم الفئات الأكثر التصاقاً بالواقع اليومي للأزمة، والأقدر على التعبير عن احتياجات المجتمعات وتطلعاتها نحو الاستقرار.
وقال إن إعادة بناء الثقة بين السودانيين تبدأ بالاعتراف بالألم، ثم الانتقال إلى العدالة المجتمعية والمصالحة التدريجية، مؤكداً أن القيادات التقليدية يمكن أن تلعب دوراً محورياً في رتق النسيج الاجتماعي وترميم العلاقات بين المكونات المختلفة.
وفي ما يتعلق بدارفور، أكد السلطان أحمد علي دينار أن قيم التعايش التقليدية المتجذرة في ثقافة المنطقة وإرثها وتاريخها لا تزال قادرة على مواجهة الانقسامات الحالية، مشيراً إلى أن هذه القيم مثلت عبر التاريخ صمام أمان للنسيج الاجتماعي، ويجب إحياؤها وتفعيلها كآلية أساسية للمصالحة وبناء السلام.
وأشار إلى أن الإرث التاريخي لسلطنة دارفور غني بالنماذج التي رسخت قيم العدل والتعايش وحل النزاعات بالطرق السلمية، مؤكداً أن هذا التاريخ ليس مجرد ذاكرة رمزية، بل دروس عملية يمكن أن تلهم السودانيين في بناء سلام مستدام وإدارة التنوع في المرحلة المقبلة.
وتناول السلطان أحمد علي دينار دور العمل الإنساني في تخفيف آثار الحرب، قائلاً إن السلام لا يقاس بالتصريحات السياسية وحدها، بل بقدرته على تخفيف معاناة الناس على الأرض، مؤكداً أن كل تدخل إغاثي ودعم للنازحين والمتضررين يمثل ترجمة عملية لفكرة السلام.
وأوضح أن مؤسسة «قدح السلطان» للإغاثة والأعمال الإنسانية تلعب دوراً عملياً في الاستجابة للاحتياجات الطارئة، خاصة في مناطق النزوح، عبر دعم الغذاء والدواء ومساندة النازحين والمجتمعات الضعيفة المتأثرة بالحرب.
وأكد أن العمل الإنساني أصبح جزءاً تنفيذياً لا يتجزأ من مشروع السلام، ولم يعد مجرد نشاط موازٍ أو استجابة مؤقتة للأزمات، مشيراً إلى أن تخفيف معاناة المواطنين يخلق الثقة، ويفتح الباب أمام المصالحة المجتمعية وعودة الحياة الطبيعية.
ودعا إلى تحويل المبادرات الإنسانية من استجابات طارئة إلى مؤسسات تنموية مستدامة ترتبط بقطاعات الصحة والتعليم وإعادة الإعمار والتنمية المجتمعية، مؤكداً أن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب الانتقال من منطق الإغاثة العاجلة إلى منطق التنمية والاستقرار.
وفي حديثه عن مستقبل السودان، قال السلطان أحمد علي دينار إن السنوات المقبلة ستتوقف على قدرة الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين على نقل البلاد من منطق الصراع إلى منطق الدولة الجامعة، مؤكداً أن أي تقدم يبدأ بوقف إطلاق النار وتوسيع الوصول الإنساني، ثم إطلاق حوار وطني شامل يعالج جذور الأزمة.
وشدد على أن بناء دولة تستوعب التنوع السوداني يتطلب الانتقال من المركزية والإقصاء إلى نموذج أكثر شمولاً وعدالة، يقوم على اللامركزية الحقيقية، والمواطنة المتساوية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وبناء مؤسسات محايدة وقوية قادرة على حماية الحقوق.
وأكد أن الشباب يمثلون القوة الأكثر قدرة على حمل التغيير وإعادة بناء السودان، مشيراً إلى أنهم ليسوا مجرد قوة عمل لإعادة الإعمار، بل قوة فكرية واجتماعية قادرة على تجديد الخطاب السياسي وترسيخ قيم التعايش والتنوع.
كما دعا إلى إعلام مسؤول يدعم الاستقرار ولا يغذي الاستقطاب، مؤكداً أن الإعلام يمكن أن يكون أداة لبناء السلام إذا التزم بالدقة والموضوعية، وتجنب خطاب الكراهية والتحريض، وأسهم في نشر الوعي وتعزيز قيم التعايش.
وفي ختام حديثه، وجه السلطان أحمد علي دينار رسائل مباشرة إلى الشعب السوداني والشباب ودارفور والنازحين والمجتمع الدولي، مؤكداً أن السودان «ليس مشروع حرب، بل مشروع حياة»، وأن بناء السلام مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد، وتمتد إلى الدولة والمجتمع الدولي، وصولاً إلى وطن آمن ومستقر وقادر على النهوض من جديد.
تابعوا الحلقة عبر الرابط التالي:
