الولايات المتحدة تؤكد الانتهاك وتفرض عقوبات، والسودان ينفي ويطالب بتحقيق مستقل
في ظل استمرار الحرب الأهلية في السودان منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، تعالت اتهامات خطيرة في الأوساط الدولية تشير إلى استخدام أسلحة كيميائية محظورة خلال العمليات العسكرية. هذه الاتهامات أثارت ردود فعل سياسية ودبلوماسية واسعة، ودفعت إلى تبني تدابير عقابية وترجيحات بفتح تحقيقات دولية مستقلة.
في عام 2024 و2025، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، استنادًا إلى تقييمات استخباراتية وإفادات لم تُنشر تفاصيلها كاملة، أن القوات المسلحة السودانية استخدمت مواد كيميائية مثل غاز الكلور كسلاح ضد مواقع تابعة لـ RSF في أكثر من مناسبة. ووفقًا لتقارير تحليلية مستقلة، فإن استخدام غاز الكلور – الذي يُستخدم صناعيًا لتنقية المياه – كوسيلة قتال يمكن اعتباره استخدامًا غير قانوني لمادة كيميائية في سياق الحرب، بما يخالف مبادئ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية التي انضم إليها السودان رسميًا عام 1999.
نشرت بعض المنصات الإعلامية والتحقيقية تقارير تشير إلى أنه في سبتمبر 2024، عُثر على أدلة ميدانية تدعم احتمال استخدام غاز الكلور كسلاح بالقرب من مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، وهو ما تم توثيقه من قبل فريق تحقيق تابع لوسائل إعلام دولية.
وفي بيان رسمي للولايات المتحدة الأمريكية أمام مؤتمر أطراف اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، شددت واشنطن على أن السودان مدعو للاعتراف بالاتهامات، والتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتحقيق المساءلة وإعادة الامتثال للاتفاقية.
السودان ينفي ويستعد لاستراتيجية دفاع
على المستوى الرسمي، نفت الحكومة السودانية مرارًا بشدة هذه الاتهامات. في رسالة موجهة إلى الأمم المتحدة، وصفت وزارة الخارجية السودانية الاتهامات الأمريكية بأنها “لا أساس لها من الصحة” و “انتهاك لإجراءات الاتفاقيات الدولية”، مشيرة إلى أن واشنطن لم تتبع القنوات الرسمية المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية قبل إعلان الاتهامات.
وتبنى الخطاب الرسمي السوداني فكرة أن الاتهامات تستهدف المساس بسيادة البلاد وقد تكون جزءًا من ضغوط سياسية تمارسها بعض القوى الخارجية، في وقت تسعى فيه الخرطوم لتوسيع دائرة شركائها الدوليين. ردود رسمية أخرى شددت على أن الفحوصات الميدانية التي أجرتها السلطات المحلية – وفق ما أُبلغ وسائل إعلام – لم تُظهر علامات واضحة على تعرض السكان أو الجنود لمواد كيميائية سامة.
ردود فعل المجتمع المدني والضغط الدولي
برغم إنكار الحكومة، طالب تحالف مدني سوداني يعرف باسم “التحالف المدني الديمقراطي (صمود)” بفتح تحقيق مستقل من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) لتحديد الحقائق على الأرض.
اقرأ أيضا السـودان.. قوات الدعم السريع تعلن السيطرة على مواقع في شمال كردفان والنيل الأزرق
ومن جانب آخر، أثارت هذه الاتهامات قلقًا في بعض الدوائر الدبلوماسية الدولية، حيث رأى بعض المراقبين أن إدعاءات استخدام أسلحة كيميائية تشكل انتهاكًا واضحًا للمعايير الدولية وتهدد بتحويل النزاع إلى نقطة توتر أكبر مع المجتمع الدولي، بينما حذّر آخرون من أن مثل هذه الاتهامات من دون أدلة ميدانية مستقلة قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية.
الإطار القانوني الدولي: اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية
اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC)، التي انضمت إليها السودان في 1999، تُلزم جميع الدول الأطراف بعدم إنتاج أو استخدام أو تخزين أي نوع من الأسلحة الكيميائية، وتُلزمهم بالسماح بعمليات تفتيش وتحقيق دولية برعاية OPCW.
في النزاعات الدولية الحديثة؛ استخدام مواد كيميائية كسلاح يُعد جريمة حرب بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ويثير مساءلة جنائية على أعلى المستويات إذا ما تم التأكد منه من خلال تحقيقات مستقلة وشفافة.
الإجراءات الأمريكية والعقوبات
استنادًا إلى التقييمات التي أعلنتها الولايات المتحدة، فرضت واشنطن عقوبات تستهدف القيادة العسكرية العليا في السودان وبعض المؤسسات، بتبرير أنها رد على استخدام القوات المسلحة لأسلحة كيميائية.
هذه العقوبات جاءت في وقت تتصاعد فيه جهود السلام الدولية، ويرى محللون أن هذه التدابير قد تؤثر في مسارات التفاوض والتعاون الإقليمي حول إنهاء الحرب والسعي نحو تسوية سلمية.
أين تقف الأدلة العلمية؟
حتى الآن، لا توجد تقارير علنية منشورة من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تثبت بشكل قاطع وقوع استخدام أسلحة كيميائية في النزاع الحالي. أغلب النصوص المتاحة تستند إلى تقييمات دبلوماسية، شهادات صحفية، وتحقيقات إعلامية مستقلة، لكن لم تصدر لجنة تقصي حقائق دولية تقريرًا موثقًا من OPCW حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.
