الكاتب / زكريا علي عبدالرسول
□□□■□□□■□□□■□□□■♧♧♧
في لحظات الانهيار الكبرى، حين تتصدع الدول وتتشظى النخب وتضيع البوصلة السياسية، يبحث الناس ــ غريزياً ــ عن شخصية يمكن أن تمثل أفقاً جديداً للخروج من المأزق. والسودان اليوم يعيش مثل هذه اللحظة الفارقة؛ حرب مفتوحة، دولة منهكة، ونخب سياسية تبدو عاجزة عن إنتاج مشروع جامع يعيد بناء المعنى الوطني. وفي خضم هذا الفراغ الكبير، يبرز اسم السلطان أحمد علي دينار كأحد الأسماء التي تُطرح في سياق سؤال أكبر: هل يمكن أن يكون الرجل أحد رهانات المرحلة القادمة؟
السؤال هنا لا يتعلق بشخصه فحسب، بل بطبيعة اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان. فحين تتآكل شرعية المؤسسات وتضعف الأحزاب وتتراجع قدرة الدولة على فرض الاستقرار، تبدأ المجتمعات في استدعاء رموزها التاريخية والاجتماعية بحثاً عن صيغة جديدة للتماسك. ومن هذه الزاوية، يحمل أحمد دينار إرثاً رمزياً لا يمكن تجاهله، بوصفه أحد أحفاد السلطان علي دينار، آخر سلاطين دارفور قبل أن تُطوى صفحة السلطنة في مطلع القرن العشرين.
هذا الإرث لا يمنح الرجل شرعية سياسية تلقائية، لكنه يضعه في موقع مختلف داخل الوعي الاجتماعي، خاصة في دارفور التي ما تزال الذاكرة التاريخية فيها حاضرة بقوة. ففي أوقات الأزمات، كثيراً ما تعود المجتمعات إلى الرموز التي تمثل الاستمرارية التاريخية، باعتبارها نقاط ارتكاز وسط الفوضى السياسية.
غير أن الرهان على أحمد دينار ــ أو على أي شخصية أخرى ــ لا يمكن أن يُبنى على الرمزية وحدها. فالسودان اليوم لا يواجه أزمة قيادة عابرة، بل يعيش أزمة دولة كاملة. الحرب التي اندلعت داخل العاصمة نفسها كشفت أن الخلل أعمق من مجرد صراع على السلطة؛ إنه خلل في بنية الدولة الوطنية، وفي العلاقة بين المركز والأقاليم، وفي طبيعة النظام السياسي الذي حكم البلاد لعقود طويلة.
من هنا، فإن أي حديث عن “رجل المرحلة” لا بد أن يتجاوز فكرة الشخص إلى فكرة المشروع. فالسودان لا يحتاج إلى زعامة تقليدية تعيد إنتاج الصراع، بل إلى قيادة قادرة على صياغة عقد وطني جديد يعيد تعريف الدولة ويؤسس لتوازن عادل بين الأقاليم، ويضع حداً لدائرة الحروب التي ظلت تلتهم أطراف البلاد قبل أن تصل إلى قلبها.
في هذا السياق، قد يملك أحمد دينار بعض العناصر التي يمكن أن تمنحه مساحة للحضور في المشهد؛ فارتباطه التاريخي بدارفور يمنحه مدخلاً للتأثير في أحد أكثر ملفات السودان تعقيداً. ودارفور نفسها ليست مجرد إقليم جغرافي، بل أصبحت خلال العقدين الأخيرين مفتاحاً لفهم الأزمة السودانية كلها؛ حيث تتقاطع فيها قضايا الهوية والسلطة والثروة والتهميش التاريخي.
لكن الطريق إلى دور وطني أوسع يظل مشروطاً بقدرة الرجل على الانتقال من الرمزية التاريخية إلى الفعل السياسي المؤثر. وهذا يتطلب بناء مشروع واضح المعالم، وتشكيل تحالفات عريضة تتجاوز الإطار الإقليمي، والانخراط في خطاب وطني قادر على مخاطبة السودانيين بوصفهم شركاء في مستقبل واحد لا مجرد جماعات متنافسة على السلطة.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن البلاد لا تسقط بسبب غياب الأشخاص، بل بسبب غياب الفكرة الجامعة. فكم من قيادات برزت في لحظات الأزمات ثم تلاشت لأنها لم تحمل مشروعاً يتجاوز اللحظة. وفي المقابل، فإن التاريخ لا يتردد في منح الفرصة لمن يملك القدرة على تحويل الرمزية إلى مشروع، والمكانة الاجتماعية إلى رؤية سياسية.
هنا بالضبط يتحدد معنى السؤال: هل يستطيع أحمد دينار أن يتحول من رمز تاريخي إلى فاعل سياسي في لحظة إعادة تشكيل السودان؟
الجواب لم يُكتب بعد. لكنه سيعتمد على ما إذا كان الرجل قادراً على قراءة التحولات العميقة التي تعصف بالبلاد، وعلى إدراك أن السودان الذي يتشكل تحت ضغط الحرب لن يشبه السودان الذي عرفناه من قبل.
ففي مثل هذه اللحظات، لا يصنع التاريخ مجرد الأسماء، بل يصنعه من يملك الشجاعة لطرح فكرة جديدة لوطن يبحث عن نفسه وسط الركام.
،،، سروري مع خالص تحياتي،،،
